2010-01-09

تاريخ استقرار اليهود بالجنوب المغربي

يعتبر اليهود من أهم وأقدم التشكيلات الإجتماعية-المستقرة بالمغرب بعد السكان الأصليين الأمازيغ، إذ تعد "أول مجموعة بشرية توافدت على المغرب وما تزال لحد الساعة"> فجل الدراسات والأبحاث سواء الوطنية أوالأجنبية تؤكد على أن التواجد اليهودي بالمغرب موغل في القدم. إلا أن تاريخ دخولهم واستقرارهم هي النقطة التي اختلف حولها المؤرخون وبقيت غامضة لحد الساعة "لأن تاريخهم يعد ضربا من الأساطير غير أن جل المهتمين بهذا المجال خلصوا إلى أن اليهود جاؤوا إلى الجنوب المغربي عبر عدة هجرات، وحسب هذه الهجرات يمكن تقسيم اليهود الوافدين إلى المغرب إلى طائفتين:
- التوشاييم : أو اليهود البلديين: وهم اليهود الأوائل الذين وصلوا إلى المغرب قبل الميلاد.
- المغوارشيم: أو اليهود الروميين: وهم اليهود الذين قدموا إلى المغرب من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرنين الخامس عشر والسادس عشرميلادي.
إذن فما هي أهم الهجرات اليهودية إلى المغرب؟
I / الهجرات اليهودية إلى المغرب :
يمكن تقسيم الهجرات اليهودية إلى المغرب إلى قسمين : هجرات قديمة تمت قبل الميلاد وهجرات حديثة العهد.
الهجرات القديمة :
وترى الدراسات التي أجريت حول هذا الموضوع أنها تمت عبر مراحل :
مرحلة القرن10 ق.م : أي في عصر النفوذ والتوسع البحري الفنيقي إبان حكم الدولة اليهودية بفلسطين فقد أرسل الملك النبي سليمان ( 873 ق م، 935 ق م ) تجارا من بني إسرائيل إلى السواحل الجنوبية لسوس وواد نون على متن السفن الفنيقية، ويقال أنهم نزلوا برأس كريزيم أو بماسة، ثم إتجهوا نحو الداخل إلى إفران أوربما جاؤوا برا بحثا عن الذهب وبأمر من الملك سليمان واستقروا بدرعة
* في القرن 8 ق م : جاءت عناصر أخرى إلى الجنوب المغربي بعد إنهيار الدولة اليهودية الشمالية فرارا من بطش الملوك الأشوريين والبابليين بعد تدمير هيكل اليهود بأورشليم من طرف نبوخد نصر
مرحلة مابين القرنين 4 و6 ق م : أي في الوقت الذي انهارت فيه دولة يهودة، وأحرق هيكل داوود من طرف الملك الأشوري نبوخد نصر وجاء هؤلاء فارين بدينهم إلى أن حطوا الرحال بربوع الجنوب المغربي إذن وبعد التطرق لأهم المراحل التي قطعتها الهجرات القديمة لليهود نحو المغرب، تتبادر إلينا عدة أسئلة من قبيل ماهي الطرق التي قطعها هؤلاء اليهود للوصول إلى الجنوب المغربي ؟ ثم ماهي الأسباب التي دفعتهم للهجرة وتركهم لبلادهم ؟
لقد اختلف المؤرخون حول الطرق التي سلكها اليهود للوصول إلى المغرب إذ نجد أن هناك رأيان متضاربان :
الرأي الأول : يرى أنهم قدموا بحرا على متن السفن الفنيقية والقرطاجية.
الرأي الثاني : يرجح قدومهم برا عبر الهوامش الشمالية للصحراء. هذا بخصوص الطريق التي سلكها اليهود للوصول إلى المغرب أما الأسباب التي جعلتهم يهاجرون تاركين بلادهم فحسب عبد الله أولباز فهناك عدة فرضياتالفرضية 1 : تقول أنهم جاؤوا على شكل قوة عسكرية بقيادة أحد القواد العسكريين للملك داوود أو سليمان وهم يطاردون الفلسطين الفارين عند انهزام ملكهم جالوت.
الفرضية 2 : تقول أن سبب مجيئهم هو البحث عن العشب والماء لماشيتهم فظلوا ينتقلون غربا ويتحركون ببطء عبر سنوات بل قرون، كما كان يفعل جدهم إبراهيم بقطعانهم إلى أن وصلوا إلى الجنوب المغربي.
الفرضية 3 : تقول أن سبب هذا القدوم هو البحث عن الذهب والمعادن، وبأمر من الملك البني سليمان.
الفرضية 4 : تقول أن سبب مجيئهم هو فرارهم من البطش والتعذيب الذي لاقوه في الشرق وخوفا على دينهم.
الهجرات الحديثة :
إذن وبعد تطرقنا للطائفة الأولى من اليهود القادمين إلى المغرب -التوشاييم-، سننتقل إلى الطائفة الثانية – المغوارشيم- القادمة من أوربا في عهد قريب. فكل ما يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن المغرب خلال القرون الوسطى عرف تزايد عدد اليهود الوافدين إليه من أوروبا، أو بالأحرى الفارين من الاضطهاد الذي مورس عليهم من طرف المسيحيين، وفي هذا الإطار يقول محمد كنبيب"…أما الطائفة الثانية فهي حديثة نسبيا، قدمت إلى المغرب من شبه الجزيرة الإيبيرية، بعد المذابح التي عانوها في أوربا خلال العصور الوسطى ويعرفون باسم اليهود الروميين أو " المغوارشيم " وهم عموما المفتخرين بما كسبوه خلال عصر الأندلس في المجال الحرفي، والتجاري والمالي فقد عانى اليهود الأوربيون الويلات خصوصا بعد سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس فقامت السلطات المسيحية باضطهاد الأقليات الدينية "كالتضييق عليها إلى حد إستحالة ممارسة الشعائر الدينية، ومصادرة أملاكهم هذا كله "بدعوى مسؤولية اليهود في التصليب وكذا إختطاف وقتل أطفال النصارى فما كان من اليهود إلى أن سلكوا مسلك المسلمين الذين رفضوا الخضوع لسلطة النصارى فقاموا بالهجرة نحو المغرب،إلا أن الهجرة اليهودية لم تتخذ طابعا جماعيا إلا بعد سقوط غرناطة 1492م هذه السنة التي شكلت بالنسبة لليهود بداية المعاناة والاضطهاد تحت وطأة النصارى إذ قامت بطرد اليهود حسب الوزان :"من طرف ملك كاثوليكي بمرسوم مؤرخ في 3 مارس 1492م/ 3 جمادى الأولى 897 هـ.
II استقرار اليهود بالجنوب المغربي عامة وبمنطقة أسكا أوبلاغ خاصة :
1/ الممالك اليهودية بالجنوب المغربي :
كما سبقت الإشارة إلى ذلك بأن المغرب ومنذ عهود سحيقة عرف إستقرارا لليهود فإن الجنوب المغربي كان بدوره مرفأ للهجرات اليهودية سواء الآتية من الشرق أو الآتية من داخل المغرب، إذ كان اليهود ينتقلون من مدينة إلى أخرى وقد كان الجنوب المغربي نقطة استقطاب لهذه الهجرات "غادر اليهود مكناس سنة 1738 هربا من المجاعة التي حلت بها إذ ذاك، واتجهوا بحثا عما يقيم أودهم، إلى دكالة أولا ثم ضربوا بعيدا نحو الجنوب حتى وصلوا درعة بل أكثر من ذلك فأغلب المصادر تشير إلى أن اليهود فعلا كونوا ممالك قوية، كمملكة إفران ومملكة درعة، هاتان المملكتان اللتان يعتبرهما عبد الله أولباز"الأماكن الأولى لاستقرار اليهود بالجنوب المغربي :
أ / مملكة إفران : أهلها قدموا بحرا فنزلوا بماسة أو برأس كريزيم أوربما بمركز من المراكز الفنيقية أو القرطاجية القديمة يدعى vadene على واد نون، ثم إتجهوا نحو الداخل ووصلوا إلى وادي إفران حيث سكنوا الكهوف في البداية بعد شراء الإذن من السكان المحليين بعد ذلك بنوا مدينة سموها " أورشليم الصغيرة" وهذا هو الإسم القديم لإفران وكانت هذه المدينة عاصمة أول مملكة يهودية بالمغرب وحسب جاك مونيي "قد وصل اليهود إلى الجنوب المغربي حيث توجد إفران الأطلس الصغير التي تعتبر أقدم مستعمرة يهودية بالمغرب." ب / مملكة درعة : هذه المملكة التي يرى عبد الله أولباز "أن يهودها أتوا برا (رعاة، تجارا أو جنودا) وانتهى بهم الأمر إلى تكوين مملكة يهودية قوية جدا، وعمرت طويلا، بوادي درعة. إذن وبعد التأكد من أن اليهود فعلا كونوا هاتين المملكتين بالجنوب المغربي لابد لنا من التساؤل حول أصل هؤلاء اليهود، هل يرجع أصلهم إلى المشرق؟ كما يرى ذلك أتيليو كوديو " الذي يرجع أصلهم إلى اليهود الدين فروا من فلسطين بعد سقوطها في يد نبوخدنصر ولكن لا يمكننا أن ندهب مع هذا الرأي إذ أن تكوين مملكتين قويتين لليهود يعني أن عددهم ليس بالقليل فلا يمكن أن يقوم اليهود بالإستيطان وتكوين ممالك دون تدخل من السكان الأصليين،إذ لابد من قيام صراعات بين الطرفين كما ذهبت إلى ذلك جاك مويني "التي تشير إلى إندلاع معارك ضارية سياسية ودينية امتدت عقودا عدة بين الكوشيين والأعداد الهائلة من اليهود القادمين من فلسطين…،تمكنوا أخيرا حوالي القرن الخامس الميلادي من احتلال هذه الأراضي وبسط سيطرتهم على درعة الشرقية فسيطرة اليهود على المنطقة رغما عن أنف السكان الأصليين يعني أن عددهم أكثر من أن يكونوا كلهم من أصل مشرقي، وهذا ما أكده إبن خلدون الذي يرى بأن معظمهم هم السكان الأصليين الذين اعتنقوا الديانة اليهودية "وإذا أتينا إلى موريتانيا الطنجية فإن اليهود تضاعفوا وهدوا البربر إلى دينهم .فكما هو ملاحظ هناك تضارب الآراء حول هذا الأمر لأنه وكما سبقت الإشارة إلى ذلك " لأن تاريخهم يعد ضربا من الأساطيروهذا ما يؤكده محمد كنبيب "لازال الضباب يخيم على تاريخ يهود المغرب الأوائل ويشكل لغزا يستعصي حله نظرا لغياب أدلة ثابثة نقدية كانت، أو أدبية خاصة، مما يفسح المجال أمام مضاربات، وفرضيات شتى معظمها من خلفيات إيديولوجية وإعتبارات ظرفية
III / إستقرار اليهود بمنطقة " أسكا أوبلاغ "
لقد عرفت مختلف مناطق سوس استقرارا كبيرا لليهود مثل
-( إفران) على بعد حوالي كلم من بيزاكارن نحو الشرق.
- ( تومنار ) بين أولاد جرار وتازروالت.
- ( تهالة ) في منطقة تافراوت، والتي لاتزال بيعتها ( كنيستها) مقفلة .
- ( تاندغورت ) في منطقة أمانوز قرب تارصوات.
- ( تامانارت) شمال فم الحصن.
- ( أقا ) و( طاطا ) و( أكلميم ) بواد نون.
- ( إيليغ ) بتازروالت و( أسكا أوبلاغ)
- ( تيلين) على بعد 6 كلم قرب أنزي شرق تزنيت.
- ( تييوت) جنوب شرق تارودانت بحوالي 45 كلم.
-( تاماليحت) بأيت ودريم بهشتوكة.
- ( أيت ولياض) الجبليين بأيت باها.
- ( أيت ولياض) السهليين بهشتوكة.
- ( تاوجدرارت ) بأيث مزال"
خصوصا منطقة تزنيت التي استوطنها اليهود منذ القدم سواء بمركز المدينة "بعد بناء تزنيت والتي لم تكن قبل عام 1882 م سوى واحة كبيرة استقطبت يهودا قدموا إليها من الأطلس الصغير (إفران . وجان. تازروالت) أو من مراكزأبعد مثل (تارودانت والصويرة) وشكل هؤلاء الوافدون ملاحا" أوبالقرى المحيطة بها "…وكان اليهود بصفة عامة في وادي تدغة ( تنغير) ونواحي تزنيت ( وجان أسكا) …، فكون هؤلاء في السابق، مناطق سميت " الملاح" في أماكن أقاموا بها منذ ألف أو ألفي سنة ومن الأمور الثابتة أن منطقة سوس استقبلت المستوطنين القدامى من اليهود، ممن يمكن إرجاع بداية مجيئهم إلى المغرب إلى القرن الثالث قبل الميلاد، واستمرت هجراتهم حتى العهود المتأخرة، بما في ذلك الفئة القديمة التي جاءت من فلسطين بعد تحطيم معبد سليمان في القرن الأول وجاء مستوطنون آخرون في نهاية الفترة الرومانية، وخلال الحكم البيزنطي. وكل ما يهمنا في هذا كله هي منطقة " أسكا أوبلاغ " التي هي موضوع بحثنا، و التي تأكدنا من خلال ما سبق أنها عرفت بدورها استقرارا لليهود. ونظرا لغياب وثائق تؤرخ لأول عملية إستقرار لليهود بهذه المنطقة،فسنعتمد على الرواية الشفوية والتي تؤكد بأن يهود " أسكا أو بلاغ" جاء بهم القايد "احماد أو بلاغ" من منطقة "تلين" والتي توجد قرب أنزي سنة 1826م مقابل منح سكانها الأراضي التي تمتد من وارزميمن بأسكا إلى جماعة المعدر، وذلك من أجل جعل منطقة "أسكا أو بلاغ" مركزا تجاريا. وقد كان عددهم في البداية أربعين كانونا. وقد استفاد هؤلاء اليهود من الظروف الطبيعية "لأسكا أوبلاغ" والتي كانت ملائمة للاستقرار والعيش، هذا بالإضافة إلى كون أعراف القبائل كانت تضمن لهم الأمن والحماية. وحتى بعد الإخلال بالنظام القبلي وإدخال نظام المخزن، فإن السلاطين كانوا يولون كل الإهتمام بتنظيم العلاقات بين السكان المسلمين واليهود، هذا بالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي يتجلى في الموقع الإستراتيجي للمنطقة وذلك لكونها منطقة عبور القوافل التجارية،هذا العامل الاقتصادي هو الذي كان وراء استقطاب المنطقة لأفواج من اليهود الدين استفادوا من الظروف المتاحة لهم فكانوا متحكمين في تجارة العديد من المواد "وفي سوس مارسوا التجارة في مختلف المواد خاصة منذ القرن السادس عشر، واتجروا في المواد الغذائية، ولاسيما المستوردة منها من أوربا مثل : السكر والشاي وكذلك الأثواب من الكتان و" الخنط" والشمع والفضة أو المجلوبة من الصحراء والبلدان الإفريقية مثل : الذهب وريش النعام والعاج والعنبر والعلك ( الصمغ) أو المواد المحلية مثل الزيت وشمع النحل والحبوب واللوز" إذن فلم يقتصر اليهود على محور تجاري واحد بل نشطوا في جميع المحاور سواء الأوربية أو الأفريقية أو المحلية هذا بالإضافة إلى دور الوساطة التجارية التي نشط فيها اليهود "كانوا يمتلكون الإبل ويكترون سواقها الذين يدعون (إرفاكن) وكانوا يتوصلون بالسلع بواسطة سفن الأوربيين التي ترد إلى موانئ ماسة وأكادير – قبل تأسيس الصويرة – وإلى شواطئ طرفاية، وبذلك يقومون بدور الوسيط سواء مع الأجانب الوافدين إلى هذه الموانيء، أو مع تجار القوافل الواردين من الصحراء وبلدان إفريقيا الغربية" هذا وقد كانت التجارة في يد اليهود إذ كان أغلب تجار المنطقة من اليهود إذ "كانت لهم تجارة كبيرة بالقياس إلى بعض المسلمين" بالإضافة إلى التجارة فقد أعتلى اليهود مكانة مهمة في مختلف الميادين "وتبوأوا مكانة خاصة في قطاع الخدمات كما كان باستطاعتهم الوصول – أحيانا- إلى مراكز السلطة " إذن هذا ما يبين أن اليهود في منطقة "أسكا أو بلاغ" وفي سوس عامة قد استفادوا من الظروف التي اتيحت لهم فكونوا مجتمعات خاصة بهم تكاد تكون مستقلة "وتمتعوا بنوع من الحكم الذاتي وبالحفاظ على العناصر الشخصية، خاصة في بناء حارة ( الملاح) كأماكن للسكن واتباع تشريع المحاكم الإسرائيلية في الأحوال الشخصية

هناك تعليق واحد :

  1. It's amazing to pay a visit this web page and reading the views of all friends about this post, while I am also keen of getting familiarity.

    Also visit my website :: acute gout

    ردحذف

أعضاء الصفحة

معجبينا على الفيس بوك

متابعينا networkedblogs