2012-03-10

ثقافة الاختلاف

ثقافة الاختلاف ومصادرة الرأي الآخر
 نولد ونحن نحمل بذور الأنا ومن معي فهو أخي ومن يخالفني الرأي فهو بلا شك عدوي
 يقرر القرآن بوضوح هذا السوق نحو الاختلاف غير الخاضع لمشيئة وإرادة الإنسان كما في قوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين)؛ فالآية تقرر أن مشيئة الله تعالى اقتضت أن يخلق الناس جميعاً مختلفين.
 ثم أن هذا الاختلاف ليس هو من ثوابت خلق الإنسان فحسب إنما هو من ثوابت نظام
الخلق وقانون يعيش في دائرته جميع المخلوقات في هذا الكون المتسع والإنسان كمخلوق في دائرة هذا النظام أيضاً، فقد خلق الله البشر مختلفين في الأشكال والاحجام والألوان والألسن وخلقهم مختلفين في الوسع والجهد والتحمل وخلقهم مختلفين في عقائدهم وقربهم وبعدهم من الله تعالى: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، وخلقهم يختلفون في التسخير فبعضهم يسخر الآخر لخدمة أغراضه ومصالحه
 وخلقهم يختلفون ويتمايزون في القدرة على تعقّل الأمثال والحوادث فالاختلاف أمر طبيعي يقرره القرآن والعقل والتاريخ ومن هنا فليس غريباً اختلاف البشر في الأفكار والتصورات والمعتقدات والعادات والتقاليد ولكن الغريب حقاً محاولة البعض جعل الناس كلهم يؤمنون بفكر واحد وثقافة واحدة ومعتقدات واحدة وقيادة واحدة ونيّة واحدة.
 لذا ينبغي لنا أن نؤمن أن وجود الاختلاف أمراً ضرورياً ونفعياً وأن يستفاد منه كدليل على صحة المجتمع وأن نؤمن أنه يجب أن يجير لخدمة هذا المجتمع والنفع من وجهات النظر الأخرى، ففي المجال التشريعي ـ مثلاً ـ نلاحظ الاختلاف الفقهي بين الفقهاء من الوضوح بدرجة كبيرة وهو شيء طبيعي وضروري؛ إن محاولة جمع الناس على رأي واحد في أحكام العبادات والمعاملات ونحوها من فروع الدين محاولة لا يمكن وقوعها كما أن محاولة رفع الخلاف لا تثمر إلا توسيع دائرة الاختلاف وهي محاولة تدل على سذاجة بيّنة ذلك أن الاختلاف في فهم الأحكام الشرعية غير الأساسية ضرورة لا بد منها والذي أوجب هذه الضرورة طبيعة الدين وطبيعة اللغة وطبيعة البشر وطبيعة الكون والحياة ومن هنا تظهر أهميته والحاجة إليه والتكيّف معه بنحو من الإيجابية والعقلنة.
 الاختلاف بين البشر في الأفكار والآراء والتوجهات والمواقف أيضاً إنما يعود لأحد منشأين:
 1ـ منشأ النظر العقلي أو العلمي سواء كان فلسفياً أو فقهياً أو غيرهما وهو المصطلح عليه (بالاختلاف العلمي) وهو مقبول شرعاً لأنه امر طبيعي مطلوب خصوصاً بين أهل العلم والمعرفة؛ وبهذا النوع من الاختلاف تتقدم العلوم وتنشأ الحضارات وتنمو المدارس الفكرية والمذاهب الفلسفية وغيرها.
 2ـ منشأ حب الذات والمصالح الشخصية ـ بما فيها الأنا الفردية والجهتية ـ وهو المصطلح عليه (بالاختلاف المصلحي)، وهذا النوع من الاختلاف ينشأ عادة بسبب تضارب المصلحة الشخصية أو مصلحة الجهة أو المدرسة أو الفكرة مع المصلحة القيمية أو العامة ومن هنا تنشأ التمزقات والعداوات والفرقة وتترتب عليه الآثارالسيئة والسلبية الخطيرة هذان هما منشأ الاختلاف بين البشر عامة فالأول عقل وعلم ورحمة والثاني هو مصلحة ونقمة.
أدب الاختلاف يجب أن يضمن الحدود التالية:
1) احترام الآخر
2) عدم سوء الظن
3) عدم غيبة الآخر بكلام يسيء له
4) عدم تصيد أخطاء الآخر
 5) تجنب الإسقاط في إصدار الأحكام
 إن الثقة بوجهة النظر أو الفكرة تولد دافع الحفاظ عليها وعرضها واغنائها و يمارس حاملها حق الدفاع عنها وفي نقطة تقبل الرأي الآخر مرونة ورغبة في تفهم الآخر وإمكانية للتغيير ولو بسيطة أو كامنة في أساسيات الرأي الحقيقي.
 إن من أدب الاختلاف أن نحترم رأي الآخر ونتقبل طرح الآخر لا لأنه يوافقنا أو يقترب من مفهومنا، وإنما لأنه يخالفنا وفي الاختلاف إغناء وتعدد ورغبة في الاستزادة والتغيير وأيضاً لأنه احترام لفكر آخر ورؤية أخرى وثقافة مختلفة.
 إن طريقة عرض الرأي الآخر هي أيضاً مشتملة في أدب الاختلاف بمعنى أن عرض الرأي يجب أن يكون بطريقة لبقة مؤدبة (متفهمة) دون إسفاف أو إهانة أو تعدي.
 إن الثقة بالرأي والاعتزاز به لا يعني احتقار الآخر بل احترامه وتقبل رأيه وإن تمت معارضته في ظل وحدانية الرأي والأهداف وتقبل الرأي الآخر يفرض أدب الأسلوب ولباقة العرض دون تعريض أو تحريض أو اتهام.
 يجب أن ندرك بتفهم أن الاختلاف لابد منه وهو يعيش معنا منذ القدم لذا يجب أن نحاول التكيف معه وإبرازه بصورة راقية ليتمكن الجميع من الإفادة منه بالشكل المناط به بحيث يكون هدفنا الأول والأخير هو الحقيقة والحقيقة فقط وهي ما يجب أن يبحث عنه وأن لا ننسى نقد الذات قبل أن نتبارى في نقد الآخر لأمور لا تمس صلب الأمر المراد به أساساً من الاختلاف.
 بهذه الطريقة نستطيع أن نحقق الذات العليا المطلوبة للتعايش مع الآخر بكل احترام وحب وأريحية فالقلم مسؤولية.. فلنكن أكثر أمانة لما نخط به وله.
ولا بأس بأن نختم بكلمة لابن تيمية تستحق أن تُكتب بماء الذهب وأن يستحضرها الشباب الإسلامي في معاركه ومناظراته الحالية .. قال ابن تيمية: (إن العدل واجب لكل أحد، على كل أحد، في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال).

هناك 3 تعليقات :

  1. الاختلاف سنة من سنن الحياة

    ردحذف
  2. موضوع رائع وطريقة السرد اروع

    ردحذف
  3. الاختلاف في الراي لايفسد للود قضية

    ردحذف

أعضاء الصفحة

متابعينا networkedblogs